فصل: تفسير الآيات (8- 10):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البحر المديد في تفسير القرآن المجيد (نسخة منقحة)



.تفسير الآيات (8- 10):

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8) وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (9) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (10)}
قلت: {وعد}: يتعدى إلى مفعولين، وحذف هذا الثاني، أي: وعدهم أجرًا عظيمًا، دل عليه الجملة بعده.
يقول الحقّ جلّ جلاله: {يا أيها الذين آمنوا}؛ عَامٌّ أريد به خاص، وهم أولو الأمر منهم، الذين يلُون الحكم بين الناس، وما تقدم في سورة النساء باقٍ على عمومه، أي: {كونوا قوامين} على من تحت حكمكم، راعين لهم؛ فإنكم مسؤولون عن رعيتكم، وكونوا مخلصين {لله} في قيامكم وولايتكم، {شهداء} على أنفسكم بالعدل، تشهدون عليها بالحق إن توجه عليها، ولا تمنعكم الرئاسة من الإنصاف في الحق، إن توجه عليكم، أو على أقاربكم وأصدقائكم، ولا على عدوكم {ولا يجرمنكم} أي: ولا يحملنكم {شنئان قوم} أي: شدة بغضهم لكم، {على ألا تعدلوا} فيهم، فتمنعوهم من حقهم، أو تزيدوا في نكالهم، تشفيًا وغيظًا.
{اعدلوا هو} أي: العدل {أقرب للتقوى}، قال البيضاوي: صرح لهم بالأمر بالعدل، وبيَّن أنه بمكان من التقوى بعد ما نهاهم عن الجور، وبيَّن أنه مقتضى الهوى. فإذا كان هذا العدل مع الكفار، فما بالك مع المؤمنين؟. اهـ. {واتقوا الله}؛ ولا تراقبوا سواه، {إن الله خبير بما تعملون} فيجازي كلاًّ على عمله، من عدل أو جور.
ثم ذكر ثواب من امتثل، فقال: {وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم}، وأفضل الأعمال: العدل في الأحكام. قال عليه الصلاة والسلام: «المُقسِطُونَ عَلَى مَنَابِرَ مِن نُورٍ يومَ القيامة».. الحديث، هو من السبعة الذين يظلهم الله في ظله.
ثم ذكر وعيد ضدهم، فقال: {والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم} كما هو عادته تعالى، يشفع بضد الفريق الذي يذكر أولاً، وفاءً لحق الدعوة، وفيه مزيد وعد للمؤمنين وتطيب لقلوبهم. وهذه الآية في مقابلة قوله تعالى: {إِنَّ اللهَ يَأمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيُنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ} [النَّساء: 58] وتكميل لها. والله تعالى أعلم.
الإشارة: أمر الحق جل جلاله شيوخ التربية أن يعدلوا بين الفقراء في النظرة والإمداد، ولا يحملهم سوء آدب أحدهم، أو قلة محبته وصدقه، أن يبعده أو يمقته؛ لأن قلوبهم صافية، لا تحمل الكدر، فهم يحسنون إلى من أساء إليهم من العوام، فضلاً عن أصحابهم؛ فهم مأمورون بالتسوية بينهم في التذكير والإمداد. والله تعالى يقسم بينهم على قدر صدقهم ومحبتهم، كما قال صلى الله عليه وسلم: «إنما أنا قاسمٌ والله مُعطي» أي: إنما أنا أُبين كيفية التوصل إلى الحق، والله تعالى يتولى إعطاء ذلك لمن يشاء من خلقه، فالأنبياء والأولياء مثلهم في بيان الطريق بالوعظ والتذكير، كمن يُبين قسمة التركة بالقلم، والحاكم هو الذي يوصل إلى كل واحد من الورثة ما كان يَنُوبُه في التركة، كذلك المذكِّر والمربي، بين المقامات، والله يعطي ذلك بحكمته وفضله. والله تعالى أعلم.

.تفسير الآية رقم (11):

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (11)}
يقول الحقّ جلّ جلاله: {يا أيها الذين أمنوا اذكروا نعمة الله عليكم} بحفظه إياكم من عدوكم؛ {إذ هَمَّ قوم} أي: حين هَمَّ الكفار {أن يبسطوا إليكم أيديهم} بالقتل، {فكفّ أيديهم عنكم}، ولما كانت مصيبة قتل النبي صلى الله عليه وسلم لو قُتل تَعُمُّ المؤمنين كلهم، خاطبهم جميعاً، وهي إشارة إلى ما همت به بنو قريظة، من قتله صلى الله عليه وسلم، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم أتى بني قريظة، ومعه الخلفاءُ الأربعة؛ يَستَعينهم في دية رجلين مسلمين، قتلهما عَمرو بن أمية الضمري، خطأ، يظنهما مشركَين، فقالوا: نعم يا أبا القاسم، قد آن لنا أن نعينك فاجلس حتى تطعم، فأجلسوه، وهموا بقتله، فعمد عَمرُو بن جُحَاش إلى رَحى عظيمةٍ ليَطرحَها عليه، فأمسَكَ اللهُ يده، ونزل جِبرِيلُ فأخبَرُه، فخَرَج النَّبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ولحقه أصحابُه، وهذا كان سبب قتلهم في غزوة بن قريظة.
وقيل: نزلت في قضية غَورث، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ببطن نخلة حاصرًا لغطفان، فقال رجل منهم: هل لكم في أن أقتل محمدًا فأفتك به؟ قالوا: وددنا ذلك، فأتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم متقلدًا سيفه، فَوجد النبي صلى الله عليه وسلم نازلاً تحت شجرة قد تفرق أصحابه عنه، وقد علق سيفه في الشجرة، فسله الأعرابي، وقال: من يمنعك مني؟ وفي رواية: وجد النبي صلى الله عليه وسلم نائمًا فاستل السيف، فما استيقظ النبي إلا والسيف في يد الأعرابي، فقال: من يمنعك من يا محمد؟ فقال: «الله»، فأسقطه جبريل من يده، وأخذه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «وأنت، من يمنعك مني؟» فقال: كن خير آخذ، فعفى عنه عليه الصلاة والسلام. زاد البيضاوي: أنه أسلم.
وقيل نزلت في صلاة الخوف حين همَّ المشركون أن يُغِيرُوا على المسلمين في الصلاة. فالله تعالى أعلم.
ثم قال تعالى: {واتقوا الله} فلا تشهدوا معه سواه، وتوكلوا عليه يكفكم أمر عدوكم، {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} فإنه يكفيكم أمرهم جلبًا ودفعًا، من توكل على الله كفاه.
الإشارة: ما جرى على النبي صلى الله عليه وسلم من قصد القتل والإذاية يجري على خواص ورثته، وهم الأولياء رضي الله عنهم والعلماء الأتقياء، فقد هَمَّ قوم بقتلهم وسجنهم وضربهم، وإجلائهم من أوطانهم، فكف الله أيديهم عنهم، وكفاهم شرهم، لمّا صححوا التوكل عليه، وأخلصوا الوجهة إليه، ومنهم من لحقه شيء من ذلك، كما لحق بعض الأنبياء عليهم السلام زيادة في شرفهم وكرامتهم، جمع الله لهم بين مقام الشهادة والصديقية، {والله ذو الفضل العظيم}.

.تفسير الآيات (12- 13):

{وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (12) فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (13)}
قلت: النقيب: هو كبير القوم والمقدَّم عليهم، ينقب عن أحوالهم ويفتش عليها. والخائنة: إما مصدر؛ كالعاقبة واللاغية، أو اسم فاعل، والتاء للمبالغة، مثل: رواية ونسَّابة وعلاَّمة.
يقول الحقّ جلّ جلاله: {ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل} على أن يجاهدوا مع موسى عليه السلام وينصروه، ويلتزموا أحكام التوراة، {وبعثنا منهم اثني عشر نقيبًا} اخترناهم وقدمناهم، على كل سبط نقيبًا ينقب عن أحوال قومه، ويقوم بأمرهم، ويتكفل بهم فيما أمروا به.
رُوِي أن بني إسرائيل لمَّا خرجوا عن فرعون، واستقروا بأوائل الشام، أمرهم الله تعالى بالمسير إلى بيت المقدس، وهي في الأرض المقدسة، وكان يسكنها الجبابرة الكنعانيون، وقال: إني كتبتها لكم دارًا وقرارًا، فأخرجوا إليها، وجاهدوا مَن فيها من العدو، فإني ناصركم. وقال لموسى عليه السلام: خذ من قومك اثني عشر نقيبًا، من كل سبط نقيبًا، يكون أمينًا وكفيلاً على قومه بالوفاء على ما أمروا به. فاختار موسى النقباء، فسار بهم حتى إذا دنوا من أرض كنعان، وهي أريحا، بعث هؤلاء النقباء يتجسسون الأخبار، ونهاهم أن يحدثوا قومهم بما يرون، فلما قربوا من الأرض المقدسة رأوا أجرامًا عظامًا وبأسًا شديدًا، فهابوا ورجعوا وحدثوا قومهم، إلا كالب بن يوقنا من سبط يهوذا ويوشع بن نون من سبط إفراثيم بن يوسف ثم {قالوا يا موسى إن فيها قومًا جبارين} إلى آخر ما يأتي من قصتهم. وأما ما ذكره الثعلبي هذا، وغيره، من قصة عوج بن عناق، فقال القسطلاني: هي باطلة من وضع الزنادقة، فلا يجوز ذكرها في تفسير كتاب الله الصادق المصدوق.
{وقال الله} لبني إسرائيل: {إني معكم} بالنصر والمعونة؛ {لئن أقمتم الصلاة وأتيتم الزكاة وآمنتم برُسلي} التي أرسلتُ بعد موسى {وعزرتموهم} أي: نصرتموهم وقويتموهم، {وأقرضتم الله قرضًا حسنًا} بالإنفاق في سُبُل الخير، {لأكفّرنّ عنكم سيئاتكم} أي: أستر عنكم ذنوبكم فلا نفضحكم بها، {ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار فمن كفر بعد ذلك} العهد المؤكد، المعلَق عليه هذا الوعد العظيم، {فقد ضلّ سواء السبيل} أي: تلف عن وسط الطريق، تلفًا لا شبهة فيه ولا عذر معه، بخلاف من كفر قبل أخذ العهد؛ فيمكن أن تكون له شبهة، ويتوهم له معذرة.
ثم إن بني إسرائيل نقضوا المواثيق التي أُخذت عليهم، فكفروا وقتلوا الأنبياء، قال تعالى: {فبما نقضهم ميثاقهم لعنّاهم} أي: طردناهم وأبعدناهم، أو مسخناهم، {وجعلنا قلوبهم قاسية} أي: يابسة صلبة لا ينفع فيها الوعظ والتذكير، أو رديَّة مغشوشة بمرض الذنوب والكفر.
ثم بيَّن نتيجة قوة قلوبهم فقال: {يُحرفون الكلم عن مواضعه} لفظًا أو تأويلاً. ولا قسوة أعظم من الجرأة على تغيير كتاب الله وتحريفه، {ونسوا حظًا مما ذُكروا به} أي: تركوا نصيبًا واجبًا مما ذُكروا به من التوراة، فلو عملوا بما ذكَّرهم الله في التوراة ما نقضوا العهود وحرّفوا كلام الله من بعد ما علموه، لكن رَين الذنوب والأنهماك في المعاصي، غطت قلوبهم فقست ويبست، {ولا تزال} يا محمد {تطلع على خائنة} أي: خيانة {منهم} أو على طائفة خائنة منهم، لأن الخيانة والغدر من عادتهم وعادة أسلافهم، فلا تزال ترى ذلك منهم {إلا قليلاً منهم} لم يخونوا، وهم الذين أسلموا منهم، {فاعف عنهم واصفح} حتى يأتيك أمر الله فيهم، أو إن تابوا وآمنوا، أو إن عاهدوا والتزموا الجزية، {إنَّ الله يحبّ المحسنين} إلى عباده كيفما كانوا.
ومن الإحسان إليهم: جبرهم على الإيمان بالسيف وسوقهم إلى الجنة بسلاسل الامتحان.
الإشارة: قد أخذ الله على هذه الأمة أن يلتزموا أحكام القرآن، ويحافظوا على مراسم الإسلام والإيمان ويجاهدوا نفوسهم في تحصيل مقام الإحسان، وبَعث من يقوم ببيان شرائع الإسلام والإيمان، ومن يعرف الطريق إلى مقام الإحسان، وقال الله لهم: {إني معكم} بالنصر والتأييد، لئن أقمتم شرائع الإسلام، وحققتم قواعد الإيمان وعظمتم من يعرفكم بطريق الإحسان، لأغطين مساوئكم، ولأمحقن دعاويكم، فأوصلكم بما منى إليكم من الكرم والجود، ولأدخلنكم جنة المعارف تجري من تحتها أنهار العلوم وأنواع الحِكَم، فمن لم يقم بهذا، أو جحده فقد ضل عن طريق الرشاد، ومن نقض عهد الشيوخ المعرفين بمقام الإحسان، فقد طرد وأبعد غاية الإبعاد، وقسا قلبه، بعد اللين. وقد ذكرنا في تفسير الفاتحه الكبير معنى النقباء والنجباء وسائر مراتب الأولياء، وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.

.تفسير الآية رقم (14):

{وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (14)}
يقول الحقّ جلّ جلاله: وأخذنا أيضًا عهدًا وميثاقًا من النصارى، الذين سموا أنفسهم نصارى؛ ادعاء لنصرة عيسى عليه السلام ولم يقوموا بواجب ذلك عملاً واعتقادًا، أخذناه عليهم بالتزام أحكام الإنجيل، وأن يؤمنوا بالله وحده لا شريك له، ولا صاحبة ولا ولد، وأن يؤمنوا بمحمد عليه الصلاة والسلام إن أدركوه ويتبعوه، {فنسوا حظًا مما ذُكروا به} أي: نسوا ما ذكرناهم به، وتركوا حظًا واجبًا مما كلفوا به، {فأغرينا} أي: سلطنا {بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة}، فهم يقتتلون في البر والبحر، ويتحاربون إلى يوم القيامة، فكل فرقة تلعن أختها وتكفرها، أو بينهم وبين اليهود، فالعداوة بينهم دائمة، {وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون} بالجزاء العقاب.
الإشارة: يؤخذ من الآية أن من نقض العهد مع الله؛ بمخالفة ما أمره به أو نهاه عنه. أو مع أولياء الله، بالانتقاد عليهم وعدم موالاتهم، ألقى الله في قلب عباده العداوة والبغضاء له، فيبغضه الله، ويبغضه عبادُ الله، ومن أوفى بما أخذه الله عليه من العهد بوفاء ما كلفه به، واجتناب ما نهاه عنه، وتودد إلى أوليائه، ألقى الله في قلب عباده المحبة والوداد، فيحبه الله، ويحبه عباد الله، ويتعطف عليه أولياء الله، كما في الحديث: «إذا أحبَّ الله عبدًا نادى جبريلُ، إنَّ اللهَ يحبّ فلانًا فأحِبَّه، فيُحِبَّهُ جبرِيلُ. ثم يُنَادِي في الملائكة: إن اللهَ يُحِبُّ فُلاَنًا فأحِبُّوه. فيُحِبُّه أهلُ السَّمَاءِ، ثم يُلقَى له القَبولُ في الأرض».. الحديث.

.تفسير الآيات (15- 16):

{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (16)}
قلت: الضمير في: {به}، يعود إلى النور والكتاب، ووحَّدَه؛ لأن المراد به شيء واحد، لأن النور هو الكتاب المبين، أو لأنهما جنس واحد.
يقول الحقّ جلّ جلاله: {يا أهل الكتاب} اليهود والنصارى {قد جاءكم رسولنا} محمد صلى الله عليه وسلم {يُبين لكم كثيرًا مما كنتم تُخفون من الكتاب} كصفة محمد صلى الله عليه وسلم، وآية الرجم التي في التوراة، وكبشارة عيسى بأحمد التي في الإنجيل، {ويعفو عن كثير} مما تخفونه وتحرفونه، فلم يخبر به، ولم يفضحكم، حيث لم يؤمر به، أو عن كثير منكم، فلا يؤاخذه بجرمه وسوء أدبه معه.
{قد جاءكم} يا أهل الكتاب {من الله نور وكتاب مبين}، عطف تفسير، فالنور هو الكتاب المبين، أو النور: محمد عليه الصلاة والسلام والكتاب المبين: القرآن؛ لأنه الكاشف لظلمات الشك والضلال، والواضح الإعجاز والبيان، {يهدي به الله من اتبع رضوانه} أي: من اتبع رضى الله بالإيمان به، والعمل بما فيه، {سُبل السلام} أي: طريق السلامة من العذاب، أو طرق الله الموصلة إليه، {ويخرجهم من الظلمات إلى النور} من ظلمات الكفر، إلى نور الإسلام {بإذنه} أي: بإرادته وتوفيقه، {ويهديهم إلى صراط مستقيم} أي: طريق توصلهم إليه لا عوج فيها.
الإشارة: قد أطْلَع الله علماء الباطن على مقامات علماء الظاهر وأحوالهم وجل مساوئهم، ولاسيما من كان عالمًا بالظاهر ثم انتقل إلى علم الباطن، كالغزالي وابن عباد وغيرهما. فقد تكلم الغزالي في صدر الإحياء مع علماء الظاهر، ففضح كثيرًا من مساوئهم. وكذلك ابن عباد في شرح الحكم، وعفوًا عن كثير فهم على قدم رسول الله صلى عليه وسلم وخواص ورثته، لأنهم حازوا الوراثة كلها، كما في المباحث:
تَبِعَةُ العَالِم في الأقوَال ** والعَابِد الزَّاهِد في الأفعَال

وفِيهما الصُّوفِيُّ في السباق ** لكنَّه قّد زَادَ بالأخلاَق

فالولي نور من نور الله، وسر من أسراره، يُخرج به من سبقت له العناية من ظلمات الحجاب إلى نور الشهود، ويهدي به من اصطفاه لحضرته تعالى طريق الوصول إليه. وبالله التوفيق.